‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرحمن علي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرحمن علي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 1 أغسطس 2017

قصة قصيرة - عيون الياسمين

   



  اعتدت اختلاس نظرة إليها في الغدوة والروحة، أحيانا كنت أظن أنها من تجتذبني للنظر إليها، لا أعرف ولكنني أدمنت عينيها، لا، ربما ليست لديها عيون أو لديها عيون خضراء.
تجتذبني فأنظر إليها من كل مكان، من أمامها ومن خلفها وعن يمينها وعن يسارها، أحيانا لا أنظر إلى عيونها فقط وإنما أنظر إلى محاسنها الأخرى أيضًا، التي تجعل منها محل نظر تتميز بها عن غيرها.
استرقت يومًا نظرة إليها بطرف عيني ووجدتها ترمقني كما أرمقها، سرقتني من نفسي وغرقت في تأملها وقد هممت أن أدنو منها وأحتضنها وأتنشقها غير مبالٍ، نسيت عالمي وكأني في جنة ما، لكني استعدت وعيي في اللحظة الأخيرة وتذكرت الناس حولي وهم يجوبون الطرقات.
يا لها من لحظات عشتها في عالم غير عالَمي، جميل هو عالمك يا شجرة الحسن والجمال، كم تمنيت لو أسكن بجوارها لكي تتأملها عيناي في أي وقت شاءت وتعتني بها وتسقيها وتستقي منها.
في يوم آخر ليس ببعيد عندما مررت بها وأنا اكاد أموت شوقًا لرؤياها حيث فرق بيننا القدر أمدًا حسبته دهرًا طويلًا، حين وقعت عيني في شباك عيونها الخضراء واصطادتني محاسنها وأغواني سحرها الباهر.
 اقتربت منها اليوم عازمًا غير عابئٍ ووقفت أمامها مباشرة أكاد أحتضنها وأخذت بشغف أتنشق أزهارها، وتذوب عيني في عيونها الخضراء، حين شعرت بوخز في ساقي، ولم أبالِ،تابعت رشف عبيرها حين شعرت بوخزات في يدي وصدري وساقي ولم أبالِ، لقد خرجت من إطار عاداتنا وفعلت مالم يكن تقليديا، وخاطرت ولم أبال .
ولكن ما حدث في هذه اللحظة حيث فاجأني شيء ما كان يزغزغني قرب أذني ووخزني وخزة توالت بعدها وخزات أخرى شديدة الألم في أماكن أخرى من جسدي، اضطربت وتراجعت قدماي ووقعت أرضًا.
ذهلت أكثر حين وجدت النمل الضخم يملأ جسدي وساقي و يتسلق إلى عنقي، فزعت من هول المفاجأة وأخذت أنزع النمل عني، من هنا وهناك، وهو يوخزني و أتأوه من الألم.
بعد دقائق عند انتهائي واستيقاظي من غفلتي وإفاقتي من السحر الذي استحوذ عليً، اقتربت منها وعيني تجوبها حاذرة وساقي تسير بعد ان تأخذ الأمان من عيني.
وجدت على ساقها من أسفلها حشود من النمل الضخم، يجري بحركة عشوائية في كل جهة، وارتفعت بعيني فوجدت بعض شباك العناكب تغطي بعض زوايا في أطراف أغصانها.
أتذكر أنني قمت بالبصق عليها وتراجعت فورًا وفي وجهي حممٌ تغلي وأخذت ألعنها وأسبها وعدت أدراجي.
ظللت لأيام أعبر طريقا آخر غير الذي تقف فيه تترصدني، أصبحت كابوسًا بالنسبة إليً لا يفارقني، و أفزع حين أتذكر ما حدث يومها.
إنها شيطانة بوجه جميل يأسرني ويقودني نحو هلاكي ومنيتي، يا لوقاحتها وقبحها، لقد أحببتها وعشقتها، كيف تفعل بي هذا !!
وددت لو أحرقها وأنتقم منها أو أن أنتزعها من جذورها وأقطعها قطعًا متناثرة.

أحاول أن أجد سببًا كان يجعلني متعلقًا بها طوال هذه المدة.
أفكر كم كنت أحبها و أذم غبائي هذا، أيحب أحد شيئًا كهذا، شيئًا مليئًا بالحشرات والنمل والعناكب ولو حفرت أسفلها لوجدت حشودًا من الدود القذر .
بعد ما يعادل أسبوعًا على ما حدث، اتخذت قراري على حرقها، و جلبت عدتي لذلك .
أخذت عدًتي وأنا ذاهب متأهب لعملية الإبادة والانتقام من تلك الشجرة.
مررت بشارعها وأنا آخذ بحذري ألا أقع في سحرها مرة أخرى.
اقتربت منها خافضًا بصري الى الأرض، وفتحت حقيبتي وأخرجت منها زجاجة الكحول الرش، وشرعت في نثر ما بها وأنا مغمض العينين على الشجرة من أعلاها وحتى أسفلها وأنا أتذكر ما حدث في الماضي.
كنت ممسكا بالزجاجة ضاغطا عليها بشده بعد أن اعتراني غضب بعد أن استحضرت ما كان قد حدث منها، قبل أن أسمع صوتا و كأنه طنين نحلة تطير بجوار أذني ثم أغارت على أنفي و لسعتني.
تراجعت خطوات الى الوراء ومن حنقي ومباغتتي وتوجعي قمت بضخ النحلة التي تقف على أنفى بالكحول فهربت، ثم مسحت عيني التي كانت تحرقني إثر ما لامسها من بقايا كحول طفيف بطرف قميصي الذي كنت أرتديه .
مزيد من الألم كان يتسرب من أنفي الى عيني التي قطَرت دمعة رغما عنها ومسحتها مرة أخرى بطرف يدي ثم ببطء لأتأكد من سلامة عيني فتحتها (مر الأمر السابق بسرعة وأنا غير مدرك لما أفعل بعد ان لسعتني النحلة).
إنها زهور الياسمين البيضاء، يصل بعض من عطرها اليً يشرح صدري، وأوراقها الخضراء المتلألئة تحت أشعة الشمس.
يا لرقة أوراقك لقد هدأت أعصابي و سكنت، سحرني جمالها وأنستني ما جئت لأجله وخففت من حدة ألمي.
صوت الطيور وهي تغرد، وهي تطير جماعة مع بعضها ثم تهبط على الشجرة وتتراقص، يضفي ذلك على المشهد بعدًا آخر من البهاء.
 جزعها الممتلئ الذي يصل الى حوالى ثلاثة أمتار مع بعدي عنها أيضا قرابة الثلاث أمتار، تجوب عيني عيونها الخضراء التي يجذبني النظر إليها من كل مكان وتأسرني زهورها البيضاء .
قلت في نفسي كيف جئت عازمًا على إبادتك، أنت ساحرة يا شجرة الحسن والجمال، يا لغبائي ما الذي جاء بي إلى هنا وكنت عازمًا على فعله.
نظرت إلى يدي فوجدتني أمسك بزجاجة الكحول ولمحت عيني نملة ضخمة عندما نظرت لأسفل تجاه يدي، تذكرت ما حدث وكيف شجعت هذه الشجرة النمل على محاربتي والقذارة التي تملأها وشباك العناكب.
حدثني جانب من نفسي: ولكنها لم تفعل شيئًا لي الآن ولم يقترب مني أيٌ من النمل وتتركني أحدق بها كما يحلو لي وأتنعم بجمالها وأتنسم شذاها.
 رددت: ولكنها شيطانة تخدعني بجمالها لتجذبني إليها وتذيقني أشد العذاب، لعلها تستمتع بذلك.
حدثني الجانب الاخر بسرعة: لا إنها ليست كذلك، إنها أجمل مني بكثير وأنقى وأكرم.
إنها لا تسمح لي بالنظر إليها والاستمتاع بجمالها وتنفس عطرها فقط، إنها أيضا تعطي جزعها البني هذا للنمل يتخذه بيتا له وللطيور في أغصانها عششًا وللنحل في أزهارها رحيقًا، إنها تنفع العالم بكل ما استطاعت أن تفعله بكل جزء منها، إن ما حدث في اليوم السابق هو أن خاف النمل على طعامه ونفسه وعشيرته فهاجمني، وربما لم يهاجمني ولكن أراد أن يعرف إن كنت جلبت له طعامًا في ملابسي أم لا.
إن شجرة الياسمين هذه جميلة هكذا من بعيد، هذا البعد مناسب جدًا ليبقيَ على علاقتي بها، لا أؤذيها ولا تؤذيني.
عندما أدركت ذلك أحببتها أكثر من السابق، وعدت إلى داري فرحًا مسرورًا بطيبة قلبها هذه، وأبلغها سلامي وتحياتي كل يوم امر عليها وأصبحت أجد فيها جمالًا ما كان مختلفًا عن الماضي .
 لكنها تبدو ضعيفة بعض الشيء فلا تستطيع أن تمنع عنها هذا النمل من النخر في جزعها ولا الطير من النقر في أوراقها، لربما تساعدهم ولا أعلم، ولكن يمكن لهذا النمل ان يكثر من النخر في أسفل جزعها فيجزها من أسفلها وترقد ميتة لا حياة فيها.
لربما أحببتها أكثر من ذلك النمل والطير ولكنها لم تترك لي نفسها كما تركتها لهم ولم تدفع عني هجوم النمل.
لربما هذا عيب فيها ولكن هذا لا يمنعني من الاستمتاع بكافة محاسنها.
ليس ذنبها أني حاولت احتضانها ولكنها مشكلتي أنا.
إنها خلقت هكذا جميلة في أشياء كثيرة وسيئة في أشياء قليلة جدًا، عسى أن تكون في نظري أنا فقط سيئة وأكون أنا من اصطنعت مشكلة ضخمة إلى هذا الحد ... إلى أن كدت أبيدها.
إنها بالنسبة لي ولعالم البشر هذا ملاك جميل.
لعلني أنا من كنت مذنبًا عندما؛ حاولت الدنو منها أكثر مما ينبغي، وفضولي لمعرفة كل شيء عنها و طمعي في أن أستحوذ عليها وحدي، يمكن أن يكون هذا عيب فيَ أيضا
حسنًا يا شجرتي يا شجرة الحسن والجمال يا شجرة الياسمين سأظل أحبك وأتأمل عيونك الخضراء وأتنسم عطرك الزاكي، من مسافة ليست ببعيدة ولا قريبة، مسافة وسطية بحيث أتطلع إليك فلا أرى غير محاسنك.
تعلمت من هذه التجربة شيئا مهما للغاية، ربما ليست شجرتي وحدها هي من يجب الابتعاد عنها مسافة ما كي أحافظ على علاقتي بها ........ أيضًا البشر كذلك.



إعداد \ عبدالرحمن علي
تصوير\ سمر أسامة

الاثنين، 22 مايو 2017

قصة قصيرة - دكان العجوز


 
-قلت لك تمهل وأمسك البندقية كما قلت لك.
-ما أريده منك هو أن تصمت، أنا أعرف ماذا أفعل -أقول له وأنا أمضغ علكة في فمي-.
-لن تصيب شيئا يا فتى.
-أترى بسبب كلامك لم أصب شيئًا -أضيف وأنا أقذف كلماتي حمما- لن أدفع لك شيئًا أيها العجوز، في المرة 
القادمة عندما تصمت سوف أدفع، أتفهم.

أغادر دكان التصويب بالبنادق، وأتأفف بسبب محاولاتي اليائسة.
أعدل من سترتي وقبعتي السوداء العريضة وأحدث نفسي (حسنا لا يهم، سوف أحاول غدًا، المهم أن أعيش بطريقتي).

أعود في اليوم التالي إلى ذات دكان البنادق فأجد العجوز صامتًا، فقط ابتسم عند رؤيتي.
أمسك البندقية وأضعها بين ذراعي تحت إبطي، وأمضغ علكة بطعم الفراولة، ثم أخفض رأسي قليلًا، لأنظر من القناصة على صندوق التصويب وأصوب على ذاك الشيء الملون الصغير فيها.
أضغط الزناد وكالعادة لا أصيب.
أحاول مرة أخرى وأدقق النظر في الهدف وأثبت البندقية جيدًا وآخذ نفسًا عميقًا، ولكن أخطأت الهدف.
أكرر محاولاتي عشر مرات وفي كل مرة أحاول جاهدًا أن تفلح طريقتي ولكن ذهب جهدي سدى.
-(أدفع للعجوز النقود بصمت وأقول) لقد أعجبتني اليوم وتستحق تلك النقود عن جدارة، أريدك هكذا دائما وإلا لن أدفع شيئا.

أغادر وأسير في الطريق المؤدي إلى بيت أحد أصدقائي لألتقي به ومن ثم نجمع باقي الأصدقاء ونأخذ جولة في البلدة.
أحاول فقط أن أعرف الخطأ في طريقتي، ما علي سوى المحاولة جاهدًا فقط لأصيب، هذا ما أتوقعه، أما الطريقة المؤدية إلى ذلك، فلا تهم ما دمت سأصيب، لن أعيش على طرق أحد لكل طريقته.
أنادي على (أحمد) فيهبط إلي ونسير معًا.
-ما أخبار رمياتك -يبادر أحمد بالسؤال-.
-لا تذكرني، يبدو وجه العجوز يضفي نحسًا على حظي.
-هاهاهاها ما زلت كما أنت عنيد.
-العند من شيمي.
-لا تضع وقتك وطاقتك في شيء كهذا فتخسر وقتًا طويلًا في شيء يمكن أن تتعلمه في لحظات.
-لقد علمك العجوز بعض الحكم، أتساءل لماذا أخذتها منه وكان يمكن أن يكون لك حكمك الخاصة بك ؟
-لن يكون لك شيء إن لم تتعلم من غيرك أشياء، أنا كما تعلم أخوض مباريات الرماية وأفوز بالعديد منها، بعد أن دربني العجوز، وصرت الآن أتفوق عليه.
- لا تدع حكم العجوز الخرف تتمكن منك فلسوف أتقن طريقتي وأتحداكما وأفوز عليكما.
-حسنا ... أتمنى لك ذلك حقًا، لأتعلم عن طريقك طريقة جديدة أضيفها إلى ما تعلمته.
- ذلك بعد أن تناديني بسيدي.
ضحكنا ومن ثم جمعنا أصدقائنا وبدأنا جلستنا بالقرب من بيت محبوبتي لأتبادل أنا وهيا النظرات قليلًا، ومن ثم أكملنا سيرنا إلى بيت محبوبة أحد أصدقائي وقد أوشكت الشمس على الغروب.
بدأ صديقي بالغناء لمحبوبته وهي تقف في شرفتها وأنا أعزف بمزماري وبدأ آخرون يرقصون ويتمايلون، إلى أنا خرج رجل من شرفته وأخذ يقذفنا بسبات ولعنات وهددنا إن لم نتوارى عن عينه سينزل إلينا ويذبحنا كما تذبح الشاة.

انتهينا ليلًا من سمرنا، وضي القمر المكتمل يزين الأفق.
ودعت أصدقائي بعد أن اتفقنا على الالتقاء في الغد.
تمشيت وحدي تجاه بيتي وأنا أتخلل المنازل لأختصر الطريق.
ما إن بدوت على مقربة من بيتي وأصبح في مرمى عيني حتى أفزعني صراخ امرأة أضافت بعده بصوت عال "سارق ... سارق".
أسرعت تجاه الصوت لأجد من يقفز من منزل بدورين ويحمل حقيبة بيد وراء ظهره ومن ثم جرى بسرعة.
أسرعت وراءه لأدركه.
كاد يختفي عن ناظري مرات إلا أنني كنت اتخلل المباني لأصير على مقربة منه.
مررت بدكان العجوز والتقفت بندقية وبعض الرصاصات بسرعة خاطفة وأودعت رصاصة بداخلها أثناء الجري.
صوبت تجاه قدم الرجل لكي أشله عن الحركة ويسقط أرضا.
أطلقت الرصاصة فلم تصبه، عمرت البندقية بسرعة وأنا أتلظى غضبًا ومن ثم صوبت تجاه قدمه مرة أخرى، وأنا أحاول الاقتراب منه.
أطلقت الرصاصة فإذا به يسقط ارضا، فهرولت تجاهه بسرعة وأخذت أركله وأسبه وأفرك بقدمي رأسه في الأرض مفرغًا غضبي عليه
فوجئت بأهل القرية يرجمونني بنظرات غاضبة ويقول أحدهم "توقف يا غبي" وآخر يصرخ "لقد سرق هو أما أنت فقتلت تبا لك".
قلت في نفسي (قتلته! ماذا.. لقد صوبت تجاه قدماه) جثوت فزعًا على الأرض وأنا أتحسس قدميه لأعثر على أثر للدماء أو الرصاصة فلم أجد شيئ.
اتسعت عيناي رعبًا وأخذت بخوف أتحسس صدره.
تراجعت خطوات للوراء وأنا ناظر إلى يدّي اللتين تمتزجان بالدماء التي تغرق موضع قلب الرجل.
اجتمع الناس حولي وحول الجثة، ينظرون لها بشفقة، أما أنا فيقذفون حروفًا قاتله "قاتل".
أخذوا الجثة وذلك الشيء الذي كان يمسكه بيده وردوه إلى صاحبته.
علمت فيما بعد أنه رجل من أهل القرية أصم وأبكم لا يقدر على العمل، زاد ذلك من ندمي على فعلتي.

أتذكر القدر وتسخيره للعجوز و(أحمد) صديقي يحاولان نصيحتي وتعليمي، وتصميمي على صدهم.
لقد جنيت على نفسي بعنادي، وقد أدى القدر ما عليه بشأني.
أنا الملوم الوحيد في هذا، وقد أتت عواقب تهوري وعنادي وخيمة فادحة.
وما يدريك ما يسوقه لك القدر نتيجة لأفعالك، فجأة تجد نفسك قد دفعت الثمن.

إعداد/ عبدالرحمن علي





السبت، 13 مايو 2017

خاطرة - أن تضم بين جوارحك كونًا




شعور غريب يراودني عند وقوفي في شرفتي.. عندما يقع في مرأى عيني.. سماء تزينها السحب... تحتضنني في قلبها في أرضها.. تحنو علي بنور يخترق غشائها ليضيء عالمي...

وأرض تنتصب عليها شجرة أمام إحدى البنايات تتلألأ أوراقها الخضراء تحت أشعة الشمس.. تبتهج برؤياها عيني..
حيوات مثلي.. كل بحجم متفاوت ولون ووجه منفرد.. لكل غايته واتجاهه...

وحيوانات مختلفة الأجناس تجلب رزقها.. إما تسير على أقدامها أو تسخر الهواء لصالحها فتسبح فيه بخفة...
نسمات هواء مترابطة تصلنا بكل شيء.. وتحمل في طياتها خبرات لكل شيء.. تشاهد ما يحدث في أرجاء البلاد.. شاهدة على سكنات كل البشر.. قد تحمل في ذراتها أريج من عطر حبيبتي أتنشقه دون أن أدري.

حين أدرك ضياع ثانية من وقتي.. قد دارت الأرض خلالها نصف وحدة من الكيلومترات حول محورها.. وثلاثين وحدة من الكيلومترات حول الشمس.. أشعر بالإهانة وأستصغر نفسي أمام ذلك النظام الكوني الطاغي على سنوات عمري.. يتحرك في مدارات بغير إرادة منه ولا يكل أو يمل.. بسرعات هائلة.. لتفر بذلك سنوات عمري الستين أمام عيني في لحظات.
أيا كان اليوم.. أيا كانت الساعة.. مهما كان من كدر يدنس مزاجي.. ما إن أتطلع الى الشرفة وأغرق في تأملاتي هذه.. حتى أتلاشى رويدًا رويدًا لأندمج كليًا مع الكون.

ما إن أفيق وألملم شتات نفسي المبعثرة ما بين يد يربت عليها الهواء برفق ويتخلل أصابعها.. وعين تغوص في أعماق سماء تتبادل الحب معها.. وأذن تطربها زقزقة طيور وتدغدغها.. حتى أجد نفسي مختلفًا بشكل ما عن السابق.
شيء ما يسري في عروقي زاد من طاقتي ورغبتي في الحياة.. شيء ما زاد من صفاء ذهني وحبي لأن أمضي قدما أخوض دروب الحياة.

أشعر وكأن جسدي قد امتص شيئا من ذلك الكون...
وكأن سماء عالم عقلي وخيالي قد اصطبغت بلون أزرق.. أفضى علي شيء من الثقة والأمان...
وكأن أرض عالمي التي تقف عليها روحي.. قد لونت باللون الأخضر فزرع فيها أشجارًا وأزهارًا تزينها وخلق طيورًا تداعب بعضها على الأشجار وتحلق.. فأضفى عليه شيء من الجمال والسلام وزاد من نشاطي وتفاؤلي وحماسي...
أشعر وكأننا اندمجنا.. وأصبحنا روحًا واحدة...

أشعر وكأنه صديق حميم لي وقد أخذ يوحي إلي بعض من عظاته سرًا بلغة لا يدركها غيرنا ...
يقول لي.. هناك جبال راسخة لا يقدر على زعزعتها أحد.. وهناك شجرة اخترقت الصخر لتعيش شامخة تؤدي مهمتها بكل إتقان وسلام.. بأن تعطينا غازنا الذي نتنفس لكي نحيا.. ولا تبال إن جزها أحد بفأسه.. وهناك رياح عاتية تفعل ما تريد بمن تريد.. وشمس ساطعة تنير لغيرها وتدفئ.. وبحر يحمل الناس من موضع لموضع ويطعمهم من لحمه ليأكلوا...
يقول لي.. كن الجبل والشجرة.. كن البحر والشمس.. كن كالريح زئير على من يظلم...


أصبحت أضم بين جوارحي كونًا يلهمني وقت حاجتي... أصبحت أرغب في الحياة أكثر وأن أواجه مصاعبي بكل ثقة وحماس.. وأصبح مزاجي صفيًا نقيًا رائقًا... ترى هل دقائق قليلة أسرقها من وقتي على الشرفة.. لا تستحق بعض الاهتمام!!

إعداد/ عبد الرحمن علي