‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 فبراير 2018

قصة قصيرة - لِمَ





إنها الثالثة فجرًا، شتاء يوم الثلاثاء، تتخبط الشبابيك من شدة الرياح، والأغطية التي يتلفح بها الصغار للتدفئة، تكاد تشبه الجليد..
صوت صراخ، ومشادات تسمعه نور.. الابنة الكبرى البالغة من عمرها تسع سنوات، تفتح عينيها، فتقوم لتغلق الشبابيك.. وتذهب لتعيد الغطاء على جسد أخيها عمر الذي دائمًا ما يزيحه من عليه أثناء تقلبه في النوم، تفتح باب الغرفة وتمشي في طرقة منزلهم البالي بخطوات أشبه بالهمس، فتجد مشهدًا يجبرها على التسمر..
تُصفع أمها على خديها فتسيل الدماء منه، فتنزل دموعها وتصرخ داخلها بلا صوت..
ومضت ذات التسع سنوات، تجاه والدها تحاول أن توقفه.. لكنه وبلا رحمة ألقاها أرضًا.. وبعدما كان ممثل الأبوة هذا يمسك والدتها بإحكام شديد، فجأة ضعفت أعصابه وتركها من يديه، ضمت الأم صغيرتها، وخرج الأب من المنزل تتبعه نظرات ابنته التي داخلها كل الأسى والملامة..
تسع سنين وتعرف كل شيء.. نعم العمر ماهو إلا كذبة.. الطفل الرضيع يضحك لك إن رآك مبتسمًا تداعبه، ويبكي إن بدلت ملامحك بالغضب..

كانت نور تعرف أن والدها قاسٍ، كانت تحبه جدًا رغم ذلك فهو أبوها، كل ما ودت أن تعرفه هو لِمَ يفعل كل ذلك؟!
لِمَ يهين أمي لهذه الدرجة؟! لِمَ يسلبها قهرًا حقها في أن تكون سعيدة؟!

لم تعرف نور جوابًا لأسئلتها.. ومضت السنون.. كبر فيها الصغار والأهل وتغير كل شيء، إلا إهانة والدها..
الأم دومًا مصدر الرحمة والنور، هي السعادة التي لا تُشترى..والمسمى الذي بناءًا عليه تطلق كل تعاريف الحنان والمحبة..
كانت تحتمل وجع الأيام وذلها فقط لأجل هذين الصغيرين.. وليس لها دون بيت زوجها مكان،  زُوجت وهي ابنة  اثنين وعشرين عامًا لم تحظ بفرصة لإكمال دراستها، ليس لديها أي حرفة يمكن بها أن تأتي بدخل يُسهل حياتها.. أهلها جميعهم ليسوا هنا.. تركوها وكأنها سلعة رخيصة تم بيعها..
 ومن الجلي أن والد نور يستغل لصفه كل ذلك، فيتمادى في جرح والدتها..

أصبحت نور شابة جميلة ،شعر غجري أسود، عيناها بنيتان، وبشرتها سمراء ساحرة.. في يومها الأول في الجامعة، هي تدرس الإعلام.. تود لو تستطيع أن تكون لسان كل امرأة مغتصبة حريتها.. همها الأول والأخير الدفاع عن حقوق المرأة..
ولكن كانت دومًا في حالة من الحيرة، لِمَ أمي صامتة على إهانة أبي كل تلك السنين؟! ماذا فعلت لتُهان بهذا الشكل المقرف؟!
رأفتها بوالدتها منعتها من السؤال، خوفها من أبيها أجبرها على الصمت..
هل ياتري مجتمعنا العربي يسمح للرجل بإهانة المرأة فقط لكونه يملك المال والسكن "والسترة"؟
كانت تلك الشابة الطموحة المليئة بالحماس، تود لو أن تعرف كل أجوبة تلك الأسئلة.. كلما كانت ترى والدتها تبكي، تضمها لصدرها بحنان ثم تخبرها
"متزعليش يا امي،كلنا في مركب واحدة "..
 لتجيبها بصوت يرتعش"بس اللي بيقدف في المركب، غير اللي قاعد فيها مرتاح.."
لزمت الصغيرة وأمها الاستغفار.. فهو الحل الوحيد لكل تلك الأزمات السخيفة المعقدة

و في يوم مرضت والدتها مرضًا شديدًا يتطلب من نور الجلوس بجوارها، وترك الجامعة لفترة حتى تطمئن على والدتها..
اشتد المرض، كانت الأم تدرك أنها النهاية، ولكن الصغيرة تأبى تصديق ذلك..
طلبت منها أن تحضر لها شيئا من داخل خزانتها..
وجاءت نور بمذكرة، أوراقها بالية والدموع الجافة ظاهرة على الأحرف.. قالت
"عديني ألا يتغير شيئًا.. وألا تقرأي تلك الكلمات إلا بعد رحيلي.."
صمتت نور ووعدت أمها، رغم أنها فتاة مجادلة بطبعها كثيرة الأسئلة، لا تبرح حتى تعرف.. ولذلك هي كتلة من النشاط، الأولى في جامعتها، رئيسة اتحاد الطلاب، تلعب على البيانو أيضا، وفازت بعدة مسابقات دولية..

هل يعرف المرء نهايته؟ هل تُكشف له في الدقائق الأخيرة كل الخفايا؟! هل يُزاح من عليه وشاح الجهل ويرى الحقيقة؟!
نعم، كل ذلك يحدث، عرفت والدة نور نهايتها، أحست بذلك ،رغم ترددها في إعطاء نور المذكرة إلا أنها فعلت في النهاية..
كانت بين خيارين أحلاهما مُر..
رحلت والدة نور، لم يخيم الحزن على البيت، كان هو  الأساس منذ البداية.. لم تستطع نور أن تعبر عن حزنها، تماسكت لأجل أخيها عمر.. ولأول مرة في حياتها ترى دموع والدها.. كأن رحيلها صدمة.. واستهزاء بوالدها لكونه لا يعترف أن لكل شيء طاقة  قد تنفذ، حتى الجماد له أعمار افتراضية.. 

قلبت نور في الوريقات الأولى، لتجد أن والدتها غُصبت على الزواج، ورغم ذلك صارت على نهج التقاليد، غير أن زوجها كان يهينها بشتى الطرق، تزوج عليها.. ولم تستطيع أن تعترض، نور في الحقيقة ليست ابنتها... نور ابنة زوجته الثانية التي ماتت قهرًا أيضا. فوالدها تركته أمه بلا سبب ، لذا قرر أن ينتقم من نساء الدنيا.. حكاية أشبه بالأفلام الهندية ولكنها الحقيقة المرة..

والدها مريض، يأذي روحه قبل الآخرين.. عليها أن تكون بجواره ولا تكرهه، عليها أن تكون ابنة بارة ،تغير مفهومه عن النساء،عليها ان تجعله يؤمن بوجود الأسباب..

إبداع الكاتبة\ ياسمين محمد

الثلاثاء، 15 أغسطس 2017

قصة قصيرة - لحظة خاطفة




جدران الحائط ألوانها غير التي أعتدت.. هكذا وجدتني بمكان غير الذي كنت فيه.. حين فتحت عيني ولم أكن أدرك شيئًا بعد، وألم برأسي ودوار وشعرت بثقل جسدي عن الحركة.. أخبرتني أمي التي كانت بجانبي ويدها ترتعش خوفًا والدموع تملأ عينها بأني قد سقطت من الطابق الأعلى لمنزلنا وتم نقلي إلى المشفى.. فقط هذا ما قالته وذهبت تخبر الطبيب أني استيقظت...

كلما تقدمت دقيقة تلو الأخرى أحس بألم في الساق يشتد، حتى صرخت بأعلى صوتي.. جاء الطبيب يسير ببطئ ويمسك كوبًا من الشاي.. نظر إلي وقال: لم تصرخ هكذا.. فهذا أمر طبيعي لأنها بدأت تستفيق من مخدر العملية، وسيذهب الألم بمرور الوقت وأخذ الأدوية.. كل هذا وأنا لا أفهم شيئًا..عن أي شيء يتحدث وأي مخدر وعملية!!
طلبت منه التوضيح.. تأفف وقال بنبرة صوت باردةٍ وهو لا يبالي لأمري..تم بتر ساقك إثر سقوطك لوجود كسور بها، ومن نتائج الأشعة قمنا بالعملية.. وذهب.. حاولت استيعاب الأمر لكني شعرت بمرارة شديدة، وأمي لا أرى سوى دموعها.. عاجزة عن الكلام!...

مر أسبوع والأدوية لا تفيد.. فتم نقلي لمشفى آخر أُجريت لي الفحوصات.. وكانت الصدمة حين أخبرني الطبيب بأن الساق التي بترت لم تكن بحاجه للبتر، وكان يكفي التجبير والأدوية لمدة، وإن طالت فهي خير من البتر!..

مر عام وأنا أحاول استيعاب ما وصلت إليه لكن الأذى كان ثقيلًا حتى فكرت في الانتحار؛ فليس لي مكان على الأرض بعد الآن، لا أريد أن أمثل عبء على من حولي، وأنا لا أستطيع التحرك فما الفائدة من العيش.. وبدأ حالي بالتدهور يومًا بعد يوم، حتى شاهدت بالصدفة برنامجًا في التلفاز عن ذوي الإعاقة، ومعاناتهم وقصص نجاحهم وعدم استسلامهم، وسرعان ما تأثرت بما شاهدت وسألت نفسي لم لا أكون مثل هولاء الشجعان وأحاول.. فذهبت لطبيب نفسي، أول الأمر لكي أقص عليه من البداية ما أنا فيه من تدهور وعدم استيعاب للأمر.. بعدها بدأت أفكر فيما سأفعل، كنت أحب الكتابة وأدون ما يروق لي من حين لآخر وأجيد الرسم..

 أصدرت أول مجموعه قصصية لي ولم تلقي نجاحًا كما توقعت، يبدو أن الناس لم تعد تقرأ، أو أن أسلوبي لم ينل إعجابهم، أو أني مبتدئ وهم يثقون بالمشاهير من الكتاب فقط.. حاولت وحاولت حتى أصدرت رواية عن حالة تشبهني، ربما كانت عني مع مزيد من الأحداث، ولاقت قبولًا جيدًا، ربما لأن قصص مثل هذه تنال تعاطفًا من قبل الجمهور أكثر.. لكن ما أزعجني هو التعاطف الذي ألاقيه كل يوم حين يراني أحدهم، فلا أستطيع تحمل رؤيه نظرات تقتلني شفقة لأني عاجز وينقصني شئ.. تمنيت يومًا أن أنام ولا أستيقظ ثانية.. أنام إلى الأبد بسبب كل شيء يحدث معي خاصة صعوبة الحركة.. والآن أشعر بقرب نهايتي، وهذا يسعدني جدًا بعد تلك المعاناة!

إيداع الكاتبة\ أنهار علي

الأحد، 13 أغسطس 2017

قصة قصيرة - أنت جميل!






"أنت جميل يا هذا، وأنا أحبك"
 أوقفني صوت فتاة في العشرين من عمرها، ترتدي فستان أزرق اللون رقيق، وشعرها يتطاير مع الهواء بخفة، أما عن عينيها فهي من جعلتني أتسمر مكاني..

أخذت أبتسم حتى ظن من حولي أنني أُصبت بالجنون، وحين استعدت وعيي من غيبوبة النشوة، فتحت عيني فلم أجدها، لقد اختفت!

تسائلت من تلك الجميلة يا ترى؟! لكني وجدت عقلي يسأل: من تلك الكاذبة؟!
نعم، هكذا أخذ عقلي يردد السؤال دون رحمة، وبمنتهى الوجع، لذا أحسست أنه أهان كبريائي كثيرًا ووقفت مكتوف الأيدي لا أعرف كيف أجيبه!
أتسائل هل يراني عقلي بهذا القبح حقًا؟! هل أنا سيء المظهر لدرجة أني لا أستحق أن يدعوني أحد بالجميل؟ لم يعطني عقلي أية أجوبة وتركني هكذا أقلب الكف على الكف، عزمت الأمر على أن أجد تلك الفتاة الفاتنة وأجعلها تعيد الجملة عدة مرات ليتأكد عقلي أن هناك من يراني جميلًا ..

دخلتُ معه في تحدي..
وأخذتُ أبحث عن تلك الفتاة..
لأيام متتالية دون تعب أو ملل..
 وكلما بادرني أحدهم بذكر عيب في وجهي أو جسدي أو في كلي بصفة عامة..
 لا أكترث..
كل ما أفعله هو أن أتذكر جملة تلك الفتاة فأبتسم لهم
  بت أستعجب من حالي كثيرًا؛ فأنا في أول الأمر شخص فقير الحال جدا، لا أملك من الجمال أي شيء حتى بوادره، جسد غير متناسق وبشرة داكنة تشبه الظلام!
كلما كان يذكرني أحدهم بأحد عيوبي التي أحاول بالكاد أن أتنساها
 أنزعج!
أدخن سيجارة تلو سيجارة ومن ثم يأتي العِرق الرُجولي داخلي، فيصرخ قائلًا: منذ متى ويُعاب الرجل على قلة جماله؟ هو يُعاب على قلة ماله ليس أكثر!
فأضحك عليه كثيرًا: لأني فقير جدًا جدًا في الحالتين.
توقفت عن التدخين فجأة بعد آخر لحظة جمعتني بتلك الفتاة
 وبت أسمع كل إهانة كأنها إحدى المقطوعات الموسيقية الساحرة ..
ورغم هذا السلام الداخلي الذي أشعر به، وددت حقًا أن أعرف من هي، وليس وحدي بل عقلي أيضًا أراد ذلك وبشدة!
وفجأة قاطع عقلي شرودي قائلًا: انتهت المدة فأين هي؟
أخذت أتصبب عرقًا، وأحاول جاهدًا أن أُلملم تأتأة حروفي لأُكون جملة مقنعة له، ولكني عجزت!
وما هي إلا ثوانٍ وأتت، تلك التي في عينيها شيءٌ ما جعلني أتعلق بالحياة وأحبها، وبصوت أشبه بصوت الملائكة أجابت عني، وبموقف أكثر شهامةً ورجولةً مني ساندتني!
وقفت أمام عقلي بقوة عجيبة ورأيتها تضع يدها حول خصرها وترفع أحد حاجبيها قائلة:
-أنا هُنا.. ما الذي تريده منه أيها السخيف؟
 -من تلك المعتوهة يا تري ؟
هكذا كان رد عقلي عليها، وفجأة تغيرت وقفتها الأنثوية المائلة ودبت بقدميها على الأرض، وكأنها على استعداد تام للحرب ثم قالت له:
-بأي حقٍ تلقي سهم البشاعة عليه؟  بالله عليك ألا تُدرك كم أنه جميل جدًا؟! لِمَ تجبره على الاختباء؟ ما العار الذي فعله ليتوارى عن الخلق منه؟
لم تنتظر منه إجابة، والتفتت إلي وأخذت تمسك بقميصي وكأنها تهددني إن أنا لم أسمع كلامها فلن يحدث خيرًا، وخاطبتني قائلة:

ابتسم عاليًا.. حتى وإن كنت تملك من الأسنان أسوأها
 وارتد ماشئت.. وإياك أن تحجم حرية جسدك  بثياب خانقة له
 وتغنى بسمار بشرتك.. فلم نسمع غزلًا أكثر جمالًا من التغزل بالسمر
فالقصة هنا لها راوٍ واحد
وبطلٌ واحد
ومهمةٌ واحدة
والجميل في الأمر أنك الراوي والبطل والمهمة!

  -من أنتِ؟
-أنا اللحظات التي ساندت صديقًا فيها، والأحضان التي احتوت وجع أحدٍ كان قريب منك، فداوته..
أنا ابتسامتك لقهر الليالي وظلمها..
 أنا الأموال التي كانت بالكاد تكفيك.. ورغم ذلك تصدقت بها لصغير أخذ يبكي في الشارع لأنه  جائع، فأسعدته.. فدعى بالخير لك..
 أنا رضاك على مفارقة أحبائك.. وتغنيك ليلًا بالدعاء والتناجي مع الله..
 أنا جمالك الحقيقي ذو العمر الخالد .

إبداع الكاتبة\ ياسمين محمد

الثلاثاء، 1 أغسطس 2017

قصة قصيرة - عيون الياسمين

   



  اعتدت اختلاس نظرة إليها في الغدوة والروحة، أحيانا كنت أظن أنها من تجتذبني للنظر إليها، لا أعرف ولكنني أدمنت عينيها، لا، ربما ليست لديها عيون أو لديها عيون خضراء.
تجتذبني فأنظر إليها من كل مكان، من أمامها ومن خلفها وعن يمينها وعن يسارها، أحيانا لا أنظر إلى عيونها فقط وإنما أنظر إلى محاسنها الأخرى أيضًا، التي تجعل منها محل نظر تتميز بها عن غيرها.
استرقت يومًا نظرة إليها بطرف عيني ووجدتها ترمقني كما أرمقها، سرقتني من نفسي وغرقت في تأملها وقد هممت أن أدنو منها وأحتضنها وأتنشقها غير مبالٍ، نسيت عالمي وكأني في جنة ما، لكني استعدت وعيي في اللحظة الأخيرة وتذكرت الناس حولي وهم يجوبون الطرقات.
يا لها من لحظات عشتها في عالم غير عالَمي، جميل هو عالمك يا شجرة الحسن والجمال، كم تمنيت لو أسكن بجوارها لكي تتأملها عيناي في أي وقت شاءت وتعتني بها وتسقيها وتستقي منها.
في يوم آخر ليس ببعيد عندما مررت بها وأنا اكاد أموت شوقًا لرؤياها حيث فرق بيننا القدر أمدًا حسبته دهرًا طويلًا، حين وقعت عيني في شباك عيونها الخضراء واصطادتني محاسنها وأغواني سحرها الباهر.
 اقتربت منها اليوم عازمًا غير عابئٍ ووقفت أمامها مباشرة أكاد أحتضنها وأخذت بشغف أتنشق أزهارها، وتذوب عيني في عيونها الخضراء، حين شعرت بوخز في ساقي، ولم أبالِ،تابعت رشف عبيرها حين شعرت بوخزات في يدي وصدري وساقي ولم أبالِ، لقد خرجت من إطار عاداتنا وفعلت مالم يكن تقليديا، وخاطرت ولم أبال .
ولكن ما حدث في هذه اللحظة حيث فاجأني شيء ما كان يزغزغني قرب أذني ووخزني وخزة توالت بعدها وخزات أخرى شديدة الألم في أماكن أخرى من جسدي، اضطربت وتراجعت قدماي ووقعت أرضًا.
ذهلت أكثر حين وجدت النمل الضخم يملأ جسدي وساقي و يتسلق إلى عنقي، فزعت من هول المفاجأة وأخذت أنزع النمل عني، من هنا وهناك، وهو يوخزني و أتأوه من الألم.
بعد دقائق عند انتهائي واستيقاظي من غفلتي وإفاقتي من السحر الذي استحوذ عليً، اقتربت منها وعيني تجوبها حاذرة وساقي تسير بعد ان تأخذ الأمان من عيني.
وجدت على ساقها من أسفلها حشود من النمل الضخم، يجري بحركة عشوائية في كل جهة، وارتفعت بعيني فوجدت بعض شباك العناكب تغطي بعض زوايا في أطراف أغصانها.
أتذكر أنني قمت بالبصق عليها وتراجعت فورًا وفي وجهي حممٌ تغلي وأخذت ألعنها وأسبها وعدت أدراجي.
ظللت لأيام أعبر طريقا آخر غير الذي تقف فيه تترصدني، أصبحت كابوسًا بالنسبة إليً لا يفارقني، و أفزع حين أتذكر ما حدث يومها.
إنها شيطانة بوجه جميل يأسرني ويقودني نحو هلاكي ومنيتي، يا لوقاحتها وقبحها، لقد أحببتها وعشقتها، كيف تفعل بي هذا !!
وددت لو أحرقها وأنتقم منها أو أن أنتزعها من جذورها وأقطعها قطعًا متناثرة.

أحاول أن أجد سببًا كان يجعلني متعلقًا بها طوال هذه المدة.
أفكر كم كنت أحبها و أذم غبائي هذا، أيحب أحد شيئًا كهذا، شيئًا مليئًا بالحشرات والنمل والعناكب ولو حفرت أسفلها لوجدت حشودًا من الدود القذر .
بعد ما يعادل أسبوعًا على ما حدث، اتخذت قراري على حرقها، و جلبت عدتي لذلك .
أخذت عدًتي وأنا ذاهب متأهب لعملية الإبادة والانتقام من تلك الشجرة.
مررت بشارعها وأنا آخذ بحذري ألا أقع في سحرها مرة أخرى.
اقتربت منها خافضًا بصري الى الأرض، وفتحت حقيبتي وأخرجت منها زجاجة الكحول الرش، وشرعت في نثر ما بها وأنا مغمض العينين على الشجرة من أعلاها وحتى أسفلها وأنا أتذكر ما حدث في الماضي.
كنت ممسكا بالزجاجة ضاغطا عليها بشده بعد أن اعتراني غضب بعد أن استحضرت ما كان قد حدث منها، قبل أن أسمع صوتا و كأنه طنين نحلة تطير بجوار أذني ثم أغارت على أنفي و لسعتني.
تراجعت خطوات الى الوراء ومن حنقي ومباغتتي وتوجعي قمت بضخ النحلة التي تقف على أنفى بالكحول فهربت، ثم مسحت عيني التي كانت تحرقني إثر ما لامسها من بقايا كحول طفيف بطرف قميصي الذي كنت أرتديه .
مزيد من الألم كان يتسرب من أنفي الى عيني التي قطَرت دمعة رغما عنها ومسحتها مرة أخرى بطرف يدي ثم ببطء لأتأكد من سلامة عيني فتحتها (مر الأمر السابق بسرعة وأنا غير مدرك لما أفعل بعد ان لسعتني النحلة).
إنها زهور الياسمين البيضاء، يصل بعض من عطرها اليً يشرح صدري، وأوراقها الخضراء المتلألئة تحت أشعة الشمس.
يا لرقة أوراقك لقد هدأت أعصابي و سكنت، سحرني جمالها وأنستني ما جئت لأجله وخففت من حدة ألمي.
صوت الطيور وهي تغرد، وهي تطير جماعة مع بعضها ثم تهبط على الشجرة وتتراقص، يضفي ذلك على المشهد بعدًا آخر من البهاء.
 جزعها الممتلئ الذي يصل الى حوالى ثلاثة أمتار مع بعدي عنها أيضا قرابة الثلاث أمتار، تجوب عيني عيونها الخضراء التي يجذبني النظر إليها من كل مكان وتأسرني زهورها البيضاء .
قلت في نفسي كيف جئت عازمًا على إبادتك، أنت ساحرة يا شجرة الحسن والجمال، يا لغبائي ما الذي جاء بي إلى هنا وكنت عازمًا على فعله.
نظرت إلى يدي فوجدتني أمسك بزجاجة الكحول ولمحت عيني نملة ضخمة عندما نظرت لأسفل تجاه يدي، تذكرت ما حدث وكيف شجعت هذه الشجرة النمل على محاربتي والقذارة التي تملأها وشباك العناكب.
حدثني جانب من نفسي: ولكنها لم تفعل شيئًا لي الآن ولم يقترب مني أيٌ من النمل وتتركني أحدق بها كما يحلو لي وأتنعم بجمالها وأتنسم شذاها.
 رددت: ولكنها شيطانة تخدعني بجمالها لتجذبني إليها وتذيقني أشد العذاب، لعلها تستمتع بذلك.
حدثني الجانب الاخر بسرعة: لا إنها ليست كذلك، إنها أجمل مني بكثير وأنقى وأكرم.
إنها لا تسمح لي بالنظر إليها والاستمتاع بجمالها وتنفس عطرها فقط، إنها أيضا تعطي جزعها البني هذا للنمل يتخذه بيتا له وللطيور في أغصانها عششًا وللنحل في أزهارها رحيقًا، إنها تنفع العالم بكل ما استطاعت أن تفعله بكل جزء منها، إن ما حدث في اليوم السابق هو أن خاف النمل على طعامه ونفسه وعشيرته فهاجمني، وربما لم يهاجمني ولكن أراد أن يعرف إن كنت جلبت له طعامًا في ملابسي أم لا.
إن شجرة الياسمين هذه جميلة هكذا من بعيد، هذا البعد مناسب جدًا ليبقيَ على علاقتي بها، لا أؤذيها ولا تؤذيني.
عندما أدركت ذلك أحببتها أكثر من السابق، وعدت إلى داري فرحًا مسرورًا بطيبة قلبها هذه، وأبلغها سلامي وتحياتي كل يوم امر عليها وأصبحت أجد فيها جمالًا ما كان مختلفًا عن الماضي .
 لكنها تبدو ضعيفة بعض الشيء فلا تستطيع أن تمنع عنها هذا النمل من النخر في جزعها ولا الطير من النقر في أوراقها، لربما تساعدهم ولا أعلم، ولكن يمكن لهذا النمل ان يكثر من النخر في أسفل جزعها فيجزها من أسفلها وترقد ميتة لا حياة فيها.
لربما أحببتها أكثر من ذلك النمل والطير ولكنها لم تترك لي نفسها كما تركتها لهم ولم تدفع عني هجوم النمل.
لربما هذا عيب فيها ولكن هذا لا يمنعني من الاستمتاع بكافة محاسنها.
ليس ذنبها أني حاولت احتضانها ولكنها مشكلتي أنا.
إنها خلقت هكذا جميلة في أشياء كثيرة وسيئة في أشياء قليلة جدًا، عسى أن تكون في نظري أنا فقط سيئة وأكون أنا من اصطنعت مشكلة ضخمة إلى هذا الحد ... إلى أن كدت أبيدها.
إنها بالنسبة لي ولعالم البشر هذا ملاك جميل.
لعلني أنا من كنت مذنبًا عندما؛ حاولت الدنو منها أكثر مما ينبغي، وفضولي لمعرفة كل شيء عنها و طمعي في أن أستحوذ عليها وحدي، يمكن أن يكون هذا عيب فيَ أيضا
حسنًا يا شجرتي يا شجرة الحسن والجمال يا شجرة الياسمين سأظل أحبك وأتأمل عيونك الخضراء وأتنسم عطرك الزاكي، من مسافة ليست ببعيدة ولا قريبة، مسافة وسطية بحيث أتطلع إليك فلا أرى غير محاسنك.
تعلمت من هذه التجربة شيئا مهما للغاية، ربما ليست شجرتي وحدها هي من يجب الابتعاد عنها مسافة ما كي أحافظ على علاقتي بها ........ أيضًا البشر كذلك.



إعداد \ عبدالرحمن علي
تصوير\ سمر أسامة

الاثنين، 22 مايو 2017

قصة قصيرة - دكان العجوز


 
-قلت لك تمهل وأمسك البندقية كما قلت لك.
-ما أريده منك هو أن تصمت، أنا أعرف ماذا أفعل -أقول له وأنا أمضغ علكة في فمي-.
-لن تصيب شيئا يا فتى.
-أترى بسبب كلامك لم أصب شيئًا -أضيف وأنا أقذف كلماتي حمما- لن أدفع لك شيئًا أيها العجوز، في المرة 
القادمة عندما تصمت سوف أدفع، أتفهم.

أغادر دكان التصويب بالبنادق، وأتأفف بسبب محاولاتي اليائسة.
أعدل من سترتي وقبعتي السوداء العريضة وأحدث نفسي (حسنا لا يهم، سوف أحاول غدًا، المهم أن أعيش بطريقتي).

أعود في اليوم التالي إلى ذات دكان البنادق فأجد العجوز صامتًا، فقط ابتسم عند رؤيتي.
أمسك البندقية وأضعها بين ذراعي تحت إبطي، وأمضغ علكة بطعم الفراولة، ثم أخفض رأسي قليلًا، لأنظر من القناصة على صندوق التصويب وأصوب على ذاك الشيء الملون الصغير فيها.
أضغط الزناد وكالعادة لا أصيب.
أحاول مرة أخرى وأدقق النظر في الهدف وأثبت البندقية جيدًا وآخذ نفسًا عميقًا، ولكن أخطأت الهدف.
أكرر محاولاتي عشر مرات وفي كل مرة أحاول جاهدًا أن تفلح طريقتي ولكن ذهب جهدي سدى.
-(أدفع للعجوز النقود بصمت وأقول) لقد أعجبتني اليوم وتستحق تلك النقود عن جدارة، أريدك هكذا دائما وإلا لن أدفع شيئا.

أغادر وأسير في الطريق المؤدي إلى بيت أحد أصدقائي لألتقي به ومن ثم نجمع باقي الأصدقاء ونأخذ جولة في البلدة.
أحاول فقط أن أعرف الخطأ في طريقتي، ما علي سوى المحاولة جاهدًا فقط لأصيب، هذا ما أتوقعه، أما الطريقة المؤدية إلى ذلك، فلا تهم ما دمت سأصيب، لن أعيش على طرق أحد لكل طريقته.
أنادي على (أحمد) فيهبط إلي ونسير معًا.
-ما أخبار رمياتك -يبادر أحمد بالسؤال-.
-لا تذكرني، يبدو وجه العجوز يضفي نحسًا على حظي.
-هاهاهاها ما زلت كما أنت عنيد.
-العند من شيمي.
-لا تضع وقتك وطاقتك في شيء كهذا فتخسر وقتًا طويلًا في شيء يمكن أن تتعلمه في لحظات.
-لقد علمك العجوز بعض الحكم، أتساءل لماذا أخذتها منه وكان يمكن أن يكون لك حكمك الخاصة بك ؟
-لن يكون لك شيء إن لم تتعلم من غيرك أشياء، أنا كما تعلم أخوض مباريات الرماية وأفوز بالعديد منها، بعد أن دربني العجوز، وصرت الآن أتفوق عليه.
- لا تدع حكم العجوز الخرف تتمكن منك فلسوف أتقن طريقتي وأتحداكما وأفوز عليكما.
-حسنا ... أتمنى لك ذلك حقًا، لأتعلم عن طريقك طريقة جديدة أضيفها إلى ما تعلمته.
- ذلك بعد أن تناديني بسيدي.
ضحكنا ومن ثم جمعنا أصدقائنا وبدأنا جلستنا بالقرب من بيت محبوبتي لأتبادل أنا وهيا النظرات قليلًا، ومن ثم أكملنا سيرنا إلى بيت محبوبة أحد أصدقائي وقد أوشكت الشمس على الغروب.
بدأ صديقي بالغناء لمحبوبته وهي تقف في شرفتها وأنا أعزف بمزماري وبدأ آخرون يرقصون ويتمايلون، إلى أنا خرج رجل من شرفته وأخذ يقذفنا بسبات ولعنات وهددنا إن لم نتوارى عن عينه سينزل إلينا ويذبحنا كما تذبح الشاة.

انتهينا ليلًا من سمرنا، وضي القمر المكتمل يزين الأفق.
ودعت أصدقائي بعد أن اتفقنا على الالتقاء في الغد.
تمشيت وحدي تجاه بيتي وأنا أتخلل المنازل لأختصر الطريق.
ما إن بدوت على مقربة من بيتي وأصبح في مرمى عيني حتى أفزعني صراخ امرأة أضافت بعده بصوت عال "سارق ... سارق".
أسرعت تجاه الصوت لأجد من يقفز من منزل بدورين ويحمل حقيبة بيد وراء ظهره ومن ثم جرى بسرعة.
أسرعت وراءه لأدركه.
كاد يختفي عن ناظري مرات إلا أنني كنت اتخلل المباني لأصير على مقربة منه.
مررت بدكان العجوز والتقفت بندقية وبعض الرصاصات بسرعة خاطفة وأودعت رصاصة بداخلها أثناء الجري.
صوبت تجاه قدم الرجل لكي أشله عن الحركة ويسقط أرضا.
أطلقت الرصاصة فلم تصبه، عمرت البندقية بسرعة وأنا أتلظى غضبًا ومن ثم صوبت تجاه قدمه مرة أخرى، وأنا أحاول الاقتراب منه.
أطلقت الرصاصة فإذا به يسقط ارضا، فهرولت تجاهه بسرعة وأخذت أركله وأسبه وأفرك بقدمي رأسه في الأرض مفرغًا غضبي عليه
فوجئت بأهل القرية يرجمونني بنظرات غاضبة ويقول أحدهم "توقف يا غبي" وآخر يصرخ "لقد سرق هو أما أنت فقتلت تبا لك".
قلت في نفسي (قتلته! ماذا.. لقد صوبت تجاه قدماه) جثوت فزعًا على الأرض وأنا أتحسس قدميه لأعثر على أثر للدماء أو الرصاصة فلم أجد شيئ.
اتسعت عيناي رعبًا وأخذت بخوف أتحسس صدره.
تراجعت خطوات للوراء وأنا ناظر إلى يدّي اللتين تمتزجان بالدماء التي تغرق موضع قلب الرجل.
اجتمع الناس حولي وحول الجثة، ينظرون لها بشفقة، أما أنا فيقذفون حروفًا قاتله "قاتل".
أخذوا الجثة وذلك الشيء الذي كان يمسكه بيده وردوه إلى صاحبته.
علمت فيما بعد أنه رجل من أهل القرية أصم وأبكم لا يقدر على العمل، زاد ذلك من ندمي على فعلتي.

أتذكر القدر وتسخيره للعجوز و(أحمد) صديقي يحاولان نصيحتي وتعليمي، وتصميمي على صدهم.
لقد جنيت على نفسي بعنادي، وقد أدى القدر ما عليه بشأني.
أنا الملوم الوحيد في هذا، وقد أتت عواقب تهوري وعنادي وخيمة فادحة.
وما يدريك ما يسوقه لك القدر نتيجة لأفعالك، فجأة تجد نفسك قد دفعت الثمن.

إعداد/ عبدالرحمن علي